04/11/2025
قراءة تحليليّة ونقديّة للفيلم الوثائقي القصير "120 كم" للمخرج الفلسطيني
"وسيم خير"
بين الهويّة والاغتراب
بقلم ناقد أفلام : جمال زيان
لطالما صنّفت السينما الفلسطينيّة كسينما ثالثة، سينما القضيّة، سينما الثّورة، سينما بديلة تعالج قضيّة شعب يصرّ دائما على الدّفاع عن أرضه و عرضه وهويّته و عروبته و مقدّساته الدينيّة بشتّى الوسائل، هو شعب يمثّل الصّمود و التحدّي وهو ما دفع العديد من المخرجين الفلسطينييّن يمثلّون عبر أفلامهم أصوات هذا الشّعب المنكوب، الثّائر، مختزلين كل هذا على شاشة بيضاء على غرار المخرج رشيد مشهراوي، هاني أبو أسعد، إيليا سليمان و كذلك صانع الأفلام المستقلّة " وسيم خير" الذّي واجه من خلال فيلمه "120كم" تحديّات كثيرة.
الفيلم لا يعدو استقراءا لواقع مؤلم ومرير لمخيّمات اللاّجئين بل سعى إلى تقديم أسلوبا بصريّا يعتمد كليّا على استنطاق الصّورة، الصّورة كشاهد وكأداة توثيق للأحداث بين منطقة خاضعة للسّلطة الفلسطينيّة وأخرى للاحتلال الإسرائيلي.
يصوّر لنا "وسيم خير" تحديّات رحلة فنيّة تعود وقائعها لسنة 2015 بمعيّة صديقه "أسامة عطوة"، فنّانين مسرحيّين من طولكرم، رحلة استمرت لمدّة ثلاثة أسابيع في مخيّمات اللاجئين الفلسطينييّن بلبنان الذّين وقع تهجيرهم من قبل الاحتلال قصد تقديم عرض فنّي ترفيهي لهم بالرّغم من انّ كلاهما ممنوع من السّفر إلى هذا البلد ولكنّهما نجحا في الأخير من عبور الحواجز الأمنيّة عن طريق الاستظهار ببطاقات العبور.
كاميرا المخرج لم تكن ثابتة طوال سرد الأحداث بل كانت في معظم المشاهد ترصد يمنة ويسرة ودون خجل مصحوبة بموسيقى تصويريّة ذات إيقاع حزين ومتفاوت الحياة اليوميّة للاجئين، تحاول قراءة ملامحهم وتقنص بسمتهم ونظراتهم، نظرات لا تزال مفعمة بالأمل، لم تسرق الفرحة من وجوههم، هم عاشقون للحياة، لا يتخلّون عنها حتّى في أصعب ظروفهم المعيشيّة بالرّغم من كلّ ما يحيط بهم من دمار. فالجمعيّات الخيريّة لا تتوانى عن تقديم مساعدات لهم تنّوعت بين تربويّة، اجتماعية ونفسيّة.
بين المراوحة في تصوير الحقيقة التي لا تكذب وان يصبح صانع الفيلم موضوعا مصوّرا وراويا في الآن نفسه، يجد الفنّانان "أسامة عطوة" و "وسيم خير" أنفسهما في بيئة تعكس تجربتهما الخاصّة وفي مواجهة واقع مركّب ومعقّد يجمع بين شعب واحد مهجّر من قرى فلسطينيّة مختلفة، يحملون نفس الهويّة ولكن هم في نفس الوقت مغتربون، يناشدون العودة و ممارسة الحقّ في التّواصل الاجتماعي ممّا يثير لدى الصّديقين العديد من التّساؤلات و التناقضات حول اكتشاف الذّات الإنسانيّة.
صحيح انّ الفيلم كان ناجحا على مستوى اللّغة الفنيّة التّي وظّفت صورة بصريّة حاول المخرج من خلالها تقريب المسافات وبناء جسر تواصل إنساني مع أبناء بلده بالرّغم من أنّ الكتابة السّرديّة كانت منقوصة من بعض الجزئيّات التّي غابت ولم تفسّر جيّدا ممّا قد يؤدّي إلى حدوث ضبابيّة وغموض لدى المتلقّي خلال الرّبط بين الأحداث كمثلا أسباب اعتقال "أسامة عطوة" وطريقة عبورهما واتّجاههما نحو المطار للسّفر إلى لبنان.
فيلم "120كم" لا تنحصر رمزيّته في عدد يحيل على مسافة كيلومترية بين دولتين متجاورتين بل هو لقاء الفنّ والحنين والعودة، يجمع بين الفنّ والإنسانيّة رغم الحدود والسياسة والحروب التّي فرّقت وشتّتت حياة عائلات مهجّرة. بعيدا عن السّياسة، عن التّاريخ وعن النّكبة وبالرّغم من كلّ التّفريق المتعمّد والممنهج والتّهجير، يبقى الشّعب الفلسطيني شعبا واحدا.