25/01/2023
"بيروت هولدم" ليس الفيلم اللبناني الذي تنتظره من مخرج سبق ان قدّم فيلماً واحداً ثم غاب. انه عمل طموح، أغلب الظن انه لا يكشف كلّ أوراقه لأسباب لا تهمّنا، لأن ما يهمّنا هو الموجود على الشاشة فقط لا غير. وما هو موجود على الشاشة يحمل مشروعاً سينمائياً تحقق جزء منه، والجزء الذي لم يتحقق قد يجد طريقه إلى أفلام المخرج المقبلة. الأهم ان زيكو خرج، ونراه يلتقي بعائلته وأصدقائه القدامى محاولاً بناء ما تهدّم واصلاح ما تكسّر على أمواج الخيبات، ولكنه لا يفعلها دائماً بأفضل الوسائل المتاحة. سنعلم انه كان له شقيق توفي في حادث دراجة نارية، وهذا جرح كبير لن يندمل البتة. أما الشؤون العاطفية فهي أيضاً موضوع مساءلة ومحاسبة ونقاش بينه وبين حبيبته السابقة (رنا علم الدين). سنكتشف، أو نحاول ان نكتشف، ماهيته وماهية ما يخفيه، على دفعات، وبالمقدار الذي يراه السيناريو ضرورياً، وقد لا تتوافق وجهة نظر السيناريو دائماً مع تطلعات المُشاهد وحاجته إلى المعرفة. حول زيكو مجموعة أصدقاء، قرطة من الشباب الذين نصادفهم في بيئات لبنانية معينة، وبهذا المعنى يقدّم كمّون فيلماً "أهلياً"، حيث الشخصيات ليست مقحمة وليست غريبة على المُشاهد. كلٌّ مأزوم على طريقته، وبدرجات متفاوتة. لكن يبدو ان الصليب الأكبر يحمله زيكو الذي سرعان ما سيكون حجّة المخرج للزجّ بنا في جحيم العلاقات الاجتماعية المبنية على الاقتراب والابتعاد المتواصلين، في مدينة تعاني بدورها ما تعانيه، من أمراض لا شفاء لها، بل وحتى يبدو ان أحداً ما عاد يبالي لا بالداء ولا بالدواء، بعد ادراك الجميع ان كلّ خلاص هو محض فردي. رؤيته للحيز المكاني هي ربما أكثر الجوانب إثارةً للاعجاب في فيلم يعاني أحياناً من إيقاع متعثّر، يدخل في غيبوبة ثم يعود، أو يشهد تدهوراً. لكن لدى الفيلم في مجمل أحواله، ما يقوله عن الاجتماع اللبناني، ولديه ما يريه، وهذا كثير في فيلم واحد مشغول أيضاً بالحركة. لذا، فالتجاذب بين القول والاظهار، يحول دون وجود فيلم يحسم أمره من القضايا المطروحة ثم يمضي إلى الأمام بأقل قدر ممكن من الأعباء التي تثقل كاهله.
أكثر ما يلفت في "بيروت هولدم" هو هذه البطولة الجماعية، الموزّعة بين شلّة من الشباب يتخاصمون ويوحّدون صفوفهم، يتضامنون ويختلفون، وفي هذه الجزئية الكثير من بيروت التي يحمل الفيلم اسمها بشيء من الفخر، ولكن أيضاً بشيء من الحيرة والحزن والقلق. رجال ونساء، حكاياتهم وتخبطهم، ينقلها المخرج إلى المتلقي على شكل شذرات، أو لعبة بازل ينبغي تركيبها، كي نصبح أمام مشهدية كاملة شاملة، لكن المشهدية لن تكتمل، لأن هذا ليس نوع الفيلم الذي أراده كمّون، فهو أراد نصّاً مفتوحاً على كلّ الاحتمالات، وعلى شكل "قطعة من الحياة".
جزء من مقالة ل الناقد "هوفيك حبشيان" عن "بيروت هولدم" الذي سيعرض يوم الجمعة القادم في زوايا غالري.
Zawaya Art Gallery