27/04/2026
بيك يا وليدي يا الترجمة الكيماوية... بيك يا وليدي يا المخطوط الأصلي بخط عبد الكريم الخطابي...
يبدو أن الذين نشروا مذكرات لارييونيون لعبد الكريم الخطابي، موهمين القارئ أنها كانت اعتمادا على النسخة الأصلية بدأوا في التراجع عن هذا الخطأ الفادح الذي لا يغتفر، ويقرون الآن بالتزوير الذي لحق بالنسخة الأصلية لمخطوط عبد الكريم الخطابي الأصلي، من طرف الناسخ محمد البارودي من جهة، والمترجم الأزموري من جهة أخرى. فمثلا حسب عبد المجيد العزوزي، والذي سبق لي أن نبهته هذا الصيف هو وزميله عبد الحميد الرايس الذي كان أكثر تفهما واعترف بالخطأ الجسيم في طبع الكتاب. لكن عبد المجيد العزوزي تعنت في موقفه وأصر على إيمانه بجودة الطبعة وتطابقها مع المخطوط الأصلي لعبد الكريم رغم عدم اطلاعه عليه وهذا في حد ذاته ينم عن عدم الصرامة العلمية والمنهاج الأكاديمي الدقيق في التحقيق والبحث عن الحقيقة التاريخية دون ثغرات خطيرة من هذا النوع.
فالعزوزي نفى في البداية أي تزوير في النسخة الخطية لليساري العروبي محمد البارودي التي نشرت وأكد تطابقها مع المخطوط الأصلي لعبد الكريم، ليتراجع أخيرا بعد مراجعته لأوراقه على ما يبدو يوم السبت 25 أبريل 2026 عن مواقفه، وهي بداية لوضع النقط على الحروف، والاعتراف بالتزوير الذي لحق مذكرات الخطابي من طرف اليسار العروبي للقوات الشعبية من أصحاب اتفاقية إيكس ليبان الذين غدروا بمحمد بن عبد الكريم الخطابي، خصوصا وأن لا أحد من المحققين الذين تكلفوا وسهروا على نشر النسخة العربية من مذكرات لارييونيون سبق له أن اطلع على النسخة الأصلية لمخطوط محمد بن عبد الكريم الخطابي، رئيس جمهورية الريف، ولم يطلعوا سوى على النسخة الخطية لمحمد البارودي التي لا يعلم الله ما فعل أثناء نسخها بالمخطوط الأصلي لرئيس جمهورية الريف.
من بين ما اعترف به عبد المجيد العزوزي هو عدم ترجمة "أسلحة الغازات الكيماوية السامة" إلى الفرنسية والاكتفاء بكلمة "أسلحة..." وثلاث نقط... يا للفضيحة !!! ولكن رغم هذه الفضيحة والخيانة العظمى في الترجمة في قضية تمس الحقيقة التاريخية، وفي موضوع يهم مصير الشعب الريفي كموضوع الإبادة الكيماوية لشعب الريف والمدنيين الريفيين، بدأ يبحث في تبرير هذه الخيانة العظمى في الترجمة بالقول أن الأزموري صديق بن بركة خائن الخطابي في إكس ليبان ومجرم الحرب ضد الإنسانية والريفيين أثناء قمعه مع الحسن الثاني وأوفقير لثورة الريف عام 1958-1959، لم يكن يتصور استخدام فرنسا وإسبانيا لأسلحة الدمار الشامل والغازات الكيماوية بمختلف أنواعها، فاكتفى بترجمة الغازات الكيماوية السامة بثلاث نقط: النقطة الأولى للغازات، والنقطة الثانية للكيماوية، والنقطة الثالثة للسامة. هكذا يزورون تاريخكم المجيد أيها الشعب الريفي العظيم، لتصير أمجادكم وأمجاد أجدادكم مجرة لعبة في يد مزوري التاريخ، وتصير الغازات الكيماوية السامة مجرد ثلاثة نقط حذف لحذفكم من كتب التاريخ والمقررات الدراسية ونفي استعمال فرنسا وحلفائها للغازات الكيماوية السامة وجهلها مجرد ثلاث نقط حذف مزورين لأقوال عبد الكريم الخطابي رئيس جمهورية الريف ولمذكراته التي كتبها بخط يده، والتي لا يعلم أحد مصيرها بعد سقوطها في يد اليسار العروبي المغربي الذي خان عبد الكريم في اتفاقية إيكس ليبان بفرنسا.
في انتظار نشر الطبعة الجديدة اعتمادا فعلا على المخطوط الأصلي لمذكرات لارييونيون بخط محمد بن عبد الكريم الخطابي وليس خط محمد البارودي، والاعتذار للقارئ على الخطأ الفادح الذي ارتكب في الطبعة الأولى للكتاب، لا يمكن لنا إلا إطلاق هذه الصرخة الريفية"
بيك يا وليدي يا الترجمة الكيماوية... بيك يا وليدي يا المخطوط الأصلي بخط عبد الكريم الخطابي...
محمد الأيوبي،
أمستردام، 26 أبريل 2026
***
لفهم حيثيات وخلفيات الموضوع أكثر، اقرأ هذا المقال الذي سبق لي أن نشرته حول نفس الموضوع يوم 20 شتنبر 2024:
السطو العروبي على المخطوط الأصلي لمذكرات لارييونيون لعبد الكريم الخطابي باسم "الحزقة"...
غريب وعجيب عنوان هذا الكتاب: مذكرات لاريونيون، بقلم محمد بن عبد الكريم الخطابي: "المخطوط الأصلي بالعربية"... فجلالة العنوان تكفي، لجذب اهتمام القارئ لاقتناء الكتاب وقرائته، لكنه سيصيب بخيبة أمل كبيرة بعد النهاية من قرائة هذا الكتاب بشقيه العربي والفرنسي، لأنه سيكتشف في النهاية أن عنوان الكتاب كان مجرد خدعة.
"المخطوط الأصلي"
ويبقى السؤال المحرج للمحققين الذين سهروا على نشر هذا الكتاب وخروجه الى الوجود، دون الشك طبعا في صدق نواياهم : لماذا اخترتم هذا العنوان الهامشي المخيب لآمال القارئ : "المخطوط الأصلي بالعربية"، الذي يوهم القارئ أن المخطوط الذي اعتمد عليه الساهرون على إخراج هذا الكتاب قد اطلعوا فعلا على المخطوط الأصلي لعبد الكريم الخطابي وأنهم فعلا يقرؤون المذكرات الأصلية والمخطوط الأصلي بخط عبد الكريم الخطابي رئيس جمهورية الريف؟
لكن الحقيقة المرة هو أن المخطوط الذي اعتمدوا عليه هو بخط محمد البارودي، وليس بخط محمد بن عبد الكريم الخطابي، رئيس جمهورية الريف. أما المخطوط الأصلي بخط عبد الكريم الخطابي، لم يطلع عليه أحد من هؤلاء الذين سهروا على نشر هذا الكتاب.
وصل هذا المخطوط المنسوخ بخط يد محمد البارودي، وليس بخط محمد بن عبد الكريم الخطابي، إلى أيادي المحققين ذوي الأصول الريفية، الذين نشروا نسخة البارودي بما لها وما عليها، وليس المخطوط الأصلي لرئيس جمهوية الريف، عن طريق محمد أمزيان. وينتمي محمد البارودي إلى الدكان السياسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ورفاق المهدي بنبركة وحزب الاستقلال العروبي الذين سبق لهم خيانة الخطابي بالقاهرة، من جهة وخيانة الريف من جهة أخرى عبر شن حرب إبادة على الريف والريفيين إبان انتفاضة الريف لعام 1958ـ1959.
يقول محمد أمزيان عن مصدر نسخة البارودي التي تبلغ 34 صفحة، وعن حيثيات الحصول عليها: "المخطوط الذي بحوزتي مكتوب بخط المرحوم البارودي باستثناء صور لثلاث صفحات من المحتمل أن تكون مكتوبة بخط يد الأمير الخطابي. وذكر لي المرحوم البارودي، في اللقاء المذكور، أنه كان ينوي تصوير المخطوط كله، إلا أنه لم يكن يتوفر على الإمكانيات المادية، فقرر بعد ذلك استنساخه بيده على طريقة النساخين التقليديين، وهذا ما فعله ساهرا الليل كله من أجله."
كل هذا يطرح أكثر من سؤال حول اختيار هذا العنوان التمويهي من جهة، ومن جهة أخرى تساؤلات حول مدى مصداقية النسخة الخطية بقلم محمد البارودي، وليس بقلم وخط محمد بن عبد الكريم الخطابي.
ويبقى السؤال الحارق أيضا هو أين اختفى المخطوط الأصلي بخط الخطابي، لمذكرات لاريونيون ومن اختطفه؟
"مذكرات عبد الكريم"
تجدر الإشارة إلى أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها ما يسمى تجاوزا ب"مذكرات الخطابي" إلى ما يشبه التحريف أو التزوير أو التأويل حسب الهوى الإديولوجي أو الخلفيات الاستعمارية العروبية منها والغربية.
هذا ما وقع مثلا مع كتاب "مذكرات عبد الكريم" الذي نشره الصحافي الفرنسي روجي ماتييو بباريس عام 1927. والذي تعرض لتزوير فاحش سواء من الكاتب الصحافي الفرنسي أو من طرف مترجمه الأول العروبي المشرقي عمر أبو النصر. وليس صدفة أن تتزامن الترجمة العربية المشرقية العروبية ببيروت مباشرة بعد زيارة منظر القومية العربية والتيار العروبي شكيب أرسلان الممول من طرف ألمانيا النازية لمدينة تطوان بداية الثلاثينات للترويج لسياسة التعريب والقومية العربية بين صفوف ما يسمى بالحركة الوطنية بمدينة تطوان والريف عموما.
يقول إسماعيل العثماني أن الدافع من ترجمته العربية الجديدة لكتاب ماتييو هو “توفير ترجمة عربية وفية قدر الإمكان للنص الفرنسي، علما بأن الترجمة المطبوعة في بيروت عام 1934 عرفت تصرفا إيديولوجيا صارخا في المتن من طرف المترجم عمر أبو النصر”.
انتقد عبد الكريم الخطابي، رئيس جمهورية الريف بشدة كتاب روجي ماتييو وعنوان الكتاب الذي حرف أقوال عبد الكريم وأخيه امحمد وتمرير خطابه الاستعماري وتمجيد حرب الابادة التي شنها التحالف الفرنسي الاسباني على الشعب الريفي وجمهورية الريف.
يقول محمد بن عبد الكريم حول منتقدا كتاب "مذكرات عبد الكريم" لروجي ماتييو: «وكان هذا الصحفي قد جاءنا في الريف مرتين عام 1925م، و1926م، وفي السنة الأولى زار شقيقي امحمد في الجبهة الشمالية بمدينة شفشاون، وفي السنة الثانية في ترجيست وقت استسلامنا، ولما نقلنا من الدار البيضاء إلى فرنسا ركب معنا في نفس الباخرة (عبدة) واتصل بنا خلال السفر، وأخذ منا جملة أحاديث، وبعد ذلك جمعها في كتاب، بعد أن أضاف ما أراد إضافته حسب هواه، ونسب ذلك كله إلينا. وبطبيعة الحال كان محظورا علينا في المنفى أن نجيب على ما قيل، سواء بالطعن أو بسرد الحقائق، ولكن الآن يمكننا أن نصحح ما نشره المسيو ماثيو بكل حرية، ونرفض أن نقبل كل ما قيل في الكتاب، وخاصة اختياره لعنوانه (مذكرات عبد الكريم)، ولكنا نعترف بأن هذا الصحفي لم يسلك في كتابه طريقة الفحش والبذاءة الغالبة على كتاب فرنسا الاستعماريين، وزملائهم الإسبان...'
وتبقى التساؤلات الجوهرية عالقة:
متى سيتوقف تزوير واختطاف مذكرات محمد بن عبد الكريم الخطابي ،رئيس جمهورية الريف؟
ومتى سيفرج عن مذكرات الخطابي الأصلية دون تزوير أو تأويل واحتواء اديولوجي سواء من طرف الجهات الاستعمارية العروبية منها أو الغربية أو أي جهة أخرى تستهدف تاريخ الريف والريفيين؟
باريس، 20 شتنبر 2024
محمد الأيوبي،
أستاذ باحث مختص في لغة وثقافة أمازيغية الريف وتاريخ الريف المعاصر.
https://www.facebook.com/share/p/1NcvvobTE1/