18/06/2026
فيها كتاب دين
من العبارات التى علقت فى ذاكرتى منذ أيام الابتدائى، عبارة لم تتجاوز ثلاث كلمات:
"فيها كتاب دين."
لا أذكر اسم الولد، ولا الفصل الذى كان فيه، ولا حتى سبب المشاجرة كاملة.
لكننى أذكر أنه كان أكبر منى حجمًا وسنًا، وأقوى بما يكفى ليضمن أن أى محاولة للرد ستكون خاسرة قبل أن تبدأ.
ضربنى.
ولأن قوانين الطفولة لا تعرف العدالة بقدر ما تعرف موازين القوة، لم يكن أمامى سوى انتقام صغير يناسب حجمى.
انتظرت غفلته، وخطفت حقيبته المدرسية، واتجهت نحو المجرى المائى الصغير أمام المدرسة وأنا أستمتع لأول مرة بإحساس امتلاك ورقة رابحة.
وفى اللحظة التى رأى فيها ما أنوى فعله، لم يجرِ نحوى مذعورًا، ولم يعتذر، ولم يحاول حتى تبرير ما فعل.
اكتفى بأن قال بهدوء:
"فيها كتاب دين."
لا أدرى لماذا توقفت.
ربما لأننى كنت طفلًا يؤمن بالفطرة أن للمقدسات حرمة، وأن بعض الأشياء يجب أن تبقى بعيدة عن معارك البشر الصغيرة.
أعدت إليه الحقيبة.
واحتفظ هو بضربته.
مرت السنوات، واكتشفت أن عبارة "فيها كتاب دين" لم تكن حبيسة فناء المدرسة.
كبر الأطفال.
وكبرت معهم الأساليب.
صار هناك من يظلمك وهو مطمئن لأنك لن ترد بالمثل.
ومن يستغل أمانتك لأنه يعرف أنك لا تخون.
ومن يراهن على أخلاقك أكثر مما يراهن على أخلاقه.
ومن يختبئ خلف قيمة نبيلة، أو مبدأ جميل، أو شعار مقدس، لا احترامًا له، بل لأنه يعرف أنك أنت الذى تحترمه.
المؤلم أن القوة لا تكون دائمًا فى اليد التى تضرب.
أحيانًا تكون فى اليد التى تعرف كيف تستخدم مبادئ الآخرين درعًا لمصالحها.
وأحيانًا لا يكون الظلم فى كسر القواعد، بل فى الاتكاء عليها من طرف واحد.
فليست كل كلمة جميلة دليلًا على قلب جميل.
وليست كل راية مرفوعة دليلًا على شرف حاملها .
وليست المشكلة فى أن يهزمك الأقوى.
المشكلة أن يستخدم التزامك بما هو نبيل ليضمن هو الإفلات من ثمن ما يفعل.
كلما تذكرت ذلك المشهد القديم، أدركت أن الطفل لم يكن يدافع عن كتاب الدين.
كان يدافع عن نفسه بكتاب الدين.
وهناك فرق كبير بين الأمرين.
فالأول احترام للمقدس.
أما الثانى فاستغلال للمقدس.
وما أكثر ما تتغير الأسماء... وتبقى اللعبة نفسها.